كشف تقرير تحليلي نشرته صحيفة "تركيا توداي" عن الأسباب الإستراتيجية التي تدفع صانع القرار في القاهرة إلى الامتناع – حتى الآن – عن التوقيع الرسمي على "معاهدة حلف مكة للدفاع المشترك". 


وأوضح التقرير أن مصر فضّلت صيغة مرنة تمنحها "بطاقة زائر" عبر مشاركتها في مجموعة الأربعة التي تضم (مصر، تركيا، السعودية، باكستان)، وذلك للحفاظ على مرونة تحركاتها العسكرية وسيادة قرارها السياسي دون التورط في التزامات دفاعية جماعية مفروضة سلفًا.


وجاء هذا التحليل في أعقاب الاجتماع الوزاري المشترك الذي استضافته مدينة إسطنبول التركية، وجمع وزراء خارجية مجموعة الدول الأربعة ومجموعة الثلاثي الأوروبي، بالإضافة إلى إيطاليا. 


وأشارت الصحيفة إلى أن الحلف يتضمن بنداً للدفاع المشترك محاكيًا لـ "المادة الخامسة" بحلف شمال الأطلسي– والتي تلزم الأعضاء بالتدخل العسكري الفوري لحماية أي دولة عضو تتعرض لهجوم – وهو البند الذي وقعت عليه أنقرة والرياض وإسلام آباد، بينما أبقته القاهرة "قيد الدراسة الفعالة" دون تحديد موعد للتوقيع.


ونقلت الصحيفة عن ميريت مبروك، الباحثة البارزة في معهد الشرق الأوسط (MEI)، قولها: "إن غياب مصر عن التوقيع لا يفاجئ سوى المراقبين الخارجيين؛ فالدبلوماسية المصرية تاريخياً لا تفضل الانخراط في الأحلاف العسكرية المباشرة والمعاهدات الجماعية المفروضة".

 

 

حسابات المكاسب والمخاطر: لماذا تتريث القاهرة؟


ورصد التقرير خمسة أسباب رئيسية تجعل مصر تكتفي بمقعد مناقشة المسودات دون التوقيع على الاتفاق النهائي للحلف:

 


تدفق رؤوس الأموال


تحصل مصر على الاستثمارات الخليجية الضخمة (مثل مشروع رأس الحكمة) وتحويلات المغتربين التي تتجاوز 12 مليار دولار سنويًا دون الحاجة لتوقيع اتفاقية دفاع جماعي، وبالتالي فإن المعاهدة لن تزيد من هذه العوائد بل ستضيف التزامات وتبعات عسكرية.

 


اتفاقيات التسلح الثنائية


تستطيع مصر حاليًا شراء الطائرات المسيرة التركية المتطورة وإجراء مناورات مشتركة مع الجيش الباكستاني عبر تفاهمات ثنائية مباشرة، دون الحاجة للدخول في أحلاف تفرض شروطًا معقدة.
تجنب حروب الآخرين


 التوقيع الرسمي يفرض على مصر التزامًا قانونيًا بالتدخل عسكريًا لحماية تركيا في أي صراع قد ينشأ في بحر إيجة أو شرق المتوسط، وهي مناطق تشهد توترات بين أنقرة واليونان وقبرص، والأخيرتان تمثلان أهمية قصوى لمصالح وأمن الطاقة المصرية.

 


سيادة قرار الحرب (التفويض البرلماني)


 وافق البرلمان المصري مؤخرًا على منح تفويض لـ (قائد الانقلاب) السيسي لتقديم دعم عسكري "دفاعي" لحماية السعودية ضد هجمات الحوثيين. الفارق الجوهري هنا هو "التحكم"؛ فبموجب معاهدة حلف مكة، يكون التحرك العسكري إلزامياً تمليه نصوص الاتفاقية، أما عبر الصيغة الحالية، فإن قرار تحريك القوات يظل بيد الرئيس والبرلمان المصري حصرًا وبناءً على تقدير الموقف.

 


المساعدات الأمريكية والموقف الدبلوماسي


تتلقى مصر 1.3 مليار دولار سنويًا كمساعدات عسكرية أمريكية، ودخولها في حلف عسكري رسمي يصل إلى حدود إسرائيل قد يدفع صناع القرار في واشنطن للتساؤل عن الغرض الحقيقي من هذا الحلف ومستقبله، وهو ما تتفاداه القاهرة عبر هذه الصيغة المرنة.

 


نقاط الاشتعال: متى تضطر مصر للتوقيع؟


واختتمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن مصر لا تواجه خطرًا داهمًا لاجتياح بري من جيش أجنبي، لكن هناك "نقاط اشتعال إقليمية" قد تجبرها على تغيير استراتيجيتها وتبديل بطاقة الزائر بالتوقيع الرسمي، وأبرزها تفاقم الحرب الأهلية في السودان على حدودها الجنوبية، واشتعال حدة التوترات بين الصومال وإثيوبيا في منطقة القرن الأفريقي؛ فإذا اندمجت هذه الملفات مسببة تهديداً غير مسبوق لأمن البحر الأحمر، لن تكتفي القاهرة بمقاعد المتفرجين، بل قد تندفع لإعادة تقييم خياراتها والتوقيع على بنود الحلف الدفاعية.


https://www.turkiyetoday.com/region/the-guest-pass-why-cairo-is-skipping-the-treaty-table-of-mecca-pact-3231087